مبحث كامل حول الاحلام اليقظة

إن لموضوع الأحلام والخيال جذوره العميقة في التاريخ ، وأثره الأعمق في الحياة الإنسانية منذ العصور القديمة وحتى يومنا هذا ، وليس من المغالاة في شيء القول إن الأحلام واحدة من أهم العمليات النفسية التي شغلت فكر الإنسان وجعلته يتأملها ويفسرها ويأول نبؤاتها للأحداث المستقبلية ، وتمثل هذا في التفسيرات البدائية وصولاً الى التفسيرات العلمية القائمة اليوم .

ولذلك كانت موضوع البحث والأهتمام بين الإنسان البدائي والساحر والدجال ورجل الدين والرجل العادي والفيلسوف والباحث العلمي (الخولي ، 1976 ، ص152) .

ومن الباحثين المحدثين الذين تناولوا موضوع الأحلام والخيال في عصور ما قبل التاريخ الباحثة سوزان لانجر (S. Langer) التي ترى بأن الخيال الإنساني كما نعرفه الآن قد نشأ بفعل خيالات الأحلام للإنسان البدائي وبأنه أسهم في تطور ذلك الإنسان البدائي الى مراحل أعلى من التطور ، وتقول لانجر ” إنه منذ الآف السنين لوجود الإنسان كان التخيل في الغالب أمراً غير إرادي ، كما هو عليه الحلم الآن ، إلا أن الذي ظهر بعد ذلك هو القدرة على صنع الخيال ” . ويقدم لويس ممفورد (L. Mumford) رأياً مماثلاً ويقول ” على الواحد أن يستنتج بأن الإنسان كان منذ البداية حيواناً حالماً وربما كان غنى أحلامه هو الذي مكنه من أن يبتعد عن التحديات التي فرضها عليه نمط حياته الحيواني (كمال ، 1990 ، ص215) .

ومن بين الأفكار التي سادت حتى العصور التاريخية تلك التي كانت تفسر الأحلام بأن الروح (Spirit) تترك البدن لكي تنطلق بمفردها مرحة مسرورة في أثناء الأحلام (عيسوي ، 1985ب ، ص416) . وكانت الشعوب المتمدنة القديمة تقدس الأحلام وتعدها الهاماً إلهياً ، إذ يقال أن البابليين كان لهم إله خاص بالأحلام أسمه (ماخر) ، وكان للمصريين القدماء ، مثل هذا الآله أسمه (بس) (الوردي ، 1959 ، ص ص17 ، 18) .

وكان المصريون ييممون شطر معابدهم ، يبتغون أن يروا في ظلال رهبتها من الأحلام المقدسة ، ما يهدي خطاهم في مقبل أيامهم (رمزي، 1952، ص ص131-132). وعزا ارطميدورس (الذي يعتقد بأنه أول مؤلف في موضوع الأحلام في تاريخ العالم) الأحلام كلها الى تدخل الآلهة، ولكنه يقسمها الى نوعين، فمنها ماهو صريح سافر ينبىء عن الغيب مباشرة، ومنها ما هو رمزي أو مقنع (الوردي، 1959، ص19). كما عللت المدارس الأبيقورية والرواقية الخيال والأحلام والأدراكات الأصلية وذلك من خلال الأنطباعات الوسيطة ومجاميعها. وكان أفلاطون يرى الخيال أو الخيالات المنطلقة بوصفها عمليات مادية حيوانية مختلفة في طبيعتها تماماً عن الأستنتاج العقلاني . وإن الإنسان ينشأ بأمكانيات خيالية كامنة ومجسدة تثيرها الخبرات الحسية ولكن لا تبنيها (Klinger , 1971 , P. 110) . والتخيل عند أفلاطون يرسم في النفس أشباه الأشياء المدركة بالحس ويأخذ من الحس موضوعاته التي تصبح مادة للتفكير. وللتخيل وظيفتان، إستعادة صورة المحسوسات وإستخدام الصور المحسوسة في التفكير (حسين، 1999، ص32). ومع هذا فقد كتب أفلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد بأستهجان حول أحلام اليقظة.. وقال ” أنهم يحتفلون بأنفسهم عندما يسيرون بمفردهم من دون أن يكتشفوا أنها (أحلام اليقظة) هي وسيلة للتأثير في رغباتهم ، وهي مسألة لا تتعبهم أو لا تزعجهم ، فهم لا يتعبوا أنفسهم بدلاً من ذلك بالتفكير بالأمكانيات ” (Klinger , 1990 , P. 8) .

ومثل أفلاطون ، فقد عدّ أرسطو طاليس العمليات الخيالية بوصفها عزو للنفس الحيوانية ، في حين عدَّ الإستنتاج العقلاني بوصفه شكلاً للنفس البشرية الأسمى على نحو خاص . وفي نظام أرسطو هذا يتألف الخيال من أشكال من الموضوعات التي كانت قد أدركت سابقاً والتي أثيرت فيما بعد نتيجة النشاط المادي المستمر ، ويقترب هذا المفهوم من الفكرة المعاصرة للأستجابات الضمنية . كما ميّز أرسطو بين الفكر أو العقل الموجّه والفكر والخيال المنطلق (الفنطازيا) غير الموجهة ، وأكد ضمنياً بأن الخيال المنطلق يسهم في حل المشاكل والفكر الأبداعي (Klinger , 1971 , PP. 111-112) . وأستعمل أرسطو مصطلح (الفنطازيا) أو الخيال المنطلق (Fantasy) وعنه إنتقل الى فلسفة القرون الوسطى للدلالة على الصور الحسية في الذهن (مدكور ، 1979 ، ص141) . أما العرب في الجاهلية فقد أولوا أهتماماً كبيراً بظاهرة الأحلام ، وقد يكون في

خلو الحياة الصحراوية من فعاليات اليقظة ما أذكى الأهتمام بعالم الأحلام وما أمتلأت به من صور وخيالات ونشاطات غريبة ومثيرة (كمال ، 1990 ، ص230) . ولما نزل القرآن الكريم فسر بعض الأحلام ، وأهتم العرب بالقيمة التنبؤية للأحلام وأكثر ما كتبوه عن الأحلام كان لهذه الصفة (الرحيم ، 1995 ، ص1) .

وأهتم الفلاسفة المسلمون بموضوع الخيال والأحلام أهتماماً كبيراً، إذ تأثر الكندي تمام التأثر بآراء أرسطو السابقة المتعلقة بالأحلام، كما إعتنق الفارابي، بعد الكندي، نظرية أرسطو في الأحلام وقال معه أنها أثر من آثار المخيلة ونتيجة من نتائجها، وأن الميول والعواطف لها أثرها في تكوين الأحلام وتشكيلها، ويرى كذلك أن للطبائع والأمزجة دخلاً كبيراً فيها. وكل تلك الأفكار رددها أرسطو من قبل. إلا أن الفارابي يخالف أستاذه (أرسطو) ويقرر أن الإنسان يستطيع بوساطة مخيلته الأتصال بالعالم العلوي وأختراق حجب الغيب والوقوف على المكنون والخفي . ويرى أن المخيلة متى تحررت من أعمال اليقظة المختلفة إستطاعت في أثناء النوم أن تصعد الى سماء النور والمعرفة . إذن متى توافرت لدى شخص مخيله ممتازة تمت له نبؤات في النهار مثل نبؤات الليل ، وأمكنه في حال اليقظة أن يتصل بالعقل الفعّال مثل إتصاله به في أثناء النوم ، بل ربما كان ذلك على شكل أوضح وصورة أكمل (مدكور ، 1983 ،
ص ص94-95) . وفي السطور الأخيرة أشارة غير مباشرة الى أحلام اليقظة ، وهذا الموقف هو نقيض التجاهل والأستهجان الذي قدمه أفلاطون وغيره من الفلاسفة بشأن أحلام اليقظة .

ويشير الفارابي إلى أن للنفس قوى عدة منها القوة المتخيلة التي عملها حفظ ما أرتسم في نفس الإنسان ” من المحسوسات بعد غيبتها عن مشاهدة الحواس لها وهذه القوة تركب المحسوسات بعضها مع بعض ، وتفصل بعضها عن بعض تركيبات وتفصيلات مختلفة ، بعضها كاذبة وبعضها صادقة “. كما يرى أن هناك حواس ظاهرة وهي الحواس الخمس، وحواس باطنة بينها المتخيلة . أما أبن سينا فكان يرى أن في الإنسان قوة تدرك إدراكاً خارجياً وتكون بالحواس الخمس وقوة تدرك أدراكاً باطنياً ومن بينها القوة المتخيلة التي تركب بين صور المحسوسات أو تفصل بينها . والغزالي أيضاً يشير الى أن القوة التي تدرك الأشياء نوعان ” ظاهرة هي الحواس الخمس ، وباطنة هي الحس المشترك

والتخيل والتفكير والتذكر والحفظ (فرحان، 1989، ص171 ، 192 ، 208) .

ويبدو واضحاً أن بين آراء الفارابي وأبن سينا والغزالي شيئاً مشتركاً ، وهو الإدراك الخارجي عن طريق الحواس الخمس ، والإدراك الباطني الذي يتضمن التخيل والتفكير .

كلمات البحث في علم النفس :

اخر المقالات