تنمية الفن والجمال والتذوق في العملية التعليمية

ليس سهلا أن نتكهن متى بدأت الصلة بين الفن والحياة ، مادام الإنسان نفسه هو مصدر الفن ، فلقد رأى الإنسان آثار الفن قبل أن يقترب منها ، لقد رآها وزاولها واستراح اليها وغنى ورقص ورسم ونحت وقال كلاما موقعا طرب له. (الطاهر،1979،ص13)
إن الفن أداة تعبيرية عن نشاط إنساني إبداعي ، وهو ضرورة وحاجة ماسة للإنسان ، وهو علاقة بين الإنسان وواقعه ، فهو كائن إجتماعي يحاول أن يستوعب مجتمعه وأن يحيط بكل جزئياته وأن يتخطى حدود شخصيته ويسعى للتأقلم مع وجود جماعي ينسجم معه بكل تفاصيله الحياتية من شعر وموسيقى ومسرح .
(عدورة،1996،ص15)
والتعبير الفني الجمالي يحمل شيئا ما ، يحرك شعورا إنسانيا أي إنه لايمثل نزوة عارضة ، ولكي يؤكد التعبير الفني ذاته لابد أن يرتبط بأحاسيسنا واهتماماتنا العامة وهذه الأحاسيس والإهتمامات ليست مسائل عارضة ، فهي تكمن داخل ذات الفنان، وحينما ينجح الفنان في توجيه طاقاته كإنسان انما هو في الواقع يدلنا على أنفسنا حيث اننا نتعرف الى شيء كان غامضا ، لم يكن من السهل تعرفه دون مساعدة الفنان، ويمتاز جمال الفن بالقدرة على إثارة الفكر والعاطفة والخيال وذلك لما يتضمنه من عنصر إنساني وإيحاء ، أو مايسمى باللغة الخفية التي بدونها لا يقوم الفن.
(بسيوني،1970،ص146)
كان المفكرون على الدوام بصيرين بالصلة بين الفن والجمال والحياة ، فالجمال عند سقراط يرتبط بالخير والفائدة ، والشيء نافع وجميل لأنه يحقق الهدف المرجو من وجوده ، ويؤكد سقراط العلاقة المتينة بين ما هو أخلاقي وما هو جميل ولاتتم معرفة الفرد الا بنمو عقله وحسه وقوته (الأهداف المعرفية ، والوجدانية ،والنفسحركية) ودعا سقراط الى تعلم الموسيقى وحفظ الشعر، وذلك لما فيها من قدرة على تهذيب الغرائز والأرواح ، وتحبب الى المتعلم القيم الإنسانية العالية وعلى الأخص حاسة الجمال. (عدورة،1996،ص47ـ50)
تناول كل من افلاطون في نظريته العامة في المثل ، وارسطو في مجمل كتاباته مسألة الفن والجمال ومنابعهما وتجلياتهما ، فقد توصل ارسطو إلى أن كل ما يصدر عن الكائن الحي له اصوله الضاربة في الحياة وله وظيفة كذلك ، وأن الإبداع الفني هو عملية من عمليات الحياة يتجه الى الإنفعالات فيثيرها ،لاليجعلها ذات طابع مرضي بل ليعيد الإتزان الى الحياة .(سويف،1951،ص35)
اقام ديدرو Diderot (1731ـ 1784) معنى الجمال على إدراك العلاقة بين الأشياء والأجزاء ، فالجميل عنده هو الذي يثير في المرء فكرة ادراك العلاقات ، ففي الأدب مثلا لايكفي أن نقول أن هذه الكلمة اوالجملة جميلة ، دون أن نقف على موقعها في سياق معين ، وادراك العلاقات التي تثيرها هذه الجملة ، فتجعلنا نتقبل الأثر الأدبي على أنه جميل ، وعملية الإدراك هذه تتطلب عنده ناحيتين ، هما : ناحية عقلية معرفية، وأخرى عاطفية تذوقية ، أي لايمكن فهم الجمال من دون وجود قوة تذوقية عند الفرد. (هلال،1973،ص295ـ 297)
ويرى كانت Kant ( 1724ـ 1804) أن الحكم الجمالي يختلف عن الحكم العقلي، من حيث هو حكم صادر عن الذوق ، وأن الذوق يصدره عن رضا لاتدفع اليه منفعة، ويرى كذلك أن الجميل هو الذي يروق الناس كلهم ، من دون الحاجة الى أفكار عامة مجردة، ويرى ايضا ، أن الجمال هو الصورة الغائية لموضوعه من حيث أنه مدرك في ذلك الموضوع ، من دون تصور لغاية اخرى من الغايات ، فكل شيء له غاية ، ولكن امام الجمال نحس بمتعة تكفينا السؤال عن الغاية ، ويبدو أن فلسفة كانت Kant تعد من أقوى الدعامات لدعاة نظرية الفن للفن. (هلال،1973،ص300)
إن الذوق هو الإستجابة الوجدانية لمؤثرات الجمال الخارجية ، وهو يتضمن القبول والنفور، المتعة والتأفف ، الإقدام والإحجام ، أي إنه حركة فاعلة للتأثر والتأثير بمواقف الحياة ، والمواقف التي تثير الذوق وتدعو لممارسته ، ليست مقصورة على مجالات الفنون بأنواعها ، بل تدخل فيها كل مواقف الحياة .(بسيوني،1986،ص49)
وعلى الرغم من أن الذوق قوة شخصية مبتكرة لا تقلد ، فهو قابل للإنتقال من شخص الى آخر، وهو قابل للتهذيب والنمو بوساطة الأدب أو روائع الفن . (غريب،1983،ص70)
إن تنمية التذوق الأدبي عملية مفتوحة ، يؤدي فيها الطالب والمدرس دورا أساسيا في البحث وتبادل الخبرة وتقييم النتائج وبلا تعصب، ومن طبيعة الذوق أنه يعدي والعدوة هنا تعني القدوة التي تترك أثرها في الآخرين (بسيوني،1986،ص58) .
ومما لاشك فيه ، أن استعداد الأفراد لتذوق الجمال مختلف شديد الإختلاف ، فمنهم من لايستطيع هذا التذوق لضعف استعداده ، ومن اسباب ضعف الذوق : الجهل، والتسرع وإستباق الحكم ، والعناد ، وضعف الإنتباه وعدم التهذيب ، لذا لابد للمتذوق من الخبرة والتمرن والإتصال بروائع الفن، أي إن للذوق علاقة طردية تتناسب مع مستوى الثقافة العامة سواء أكانت للفرد أم للمجتمع ككل خلال مدة زمنية محددة.
(غريب،1983،ص69ـ71)
لقد وجد الناقد الإنكليزي آديسون Adeson أن مجموعة من الأفراد تعرف اللغة نفسها، ومعاني الكلمات التي تقرأها ، ولكنها مع ذلك تخرج بمذاق مختلف عن الأوصاف نفسها ، فاحد الأفراد يتجاوب مع الفقرة في حين يمر بها الآخر في برود وعدم اكتراث ، ولتفسير هذه الظاهرة يرى أديسون أن الفقرة الواحدة تثير ترابطات شتى لدى القراء ، ويصدر هذا الإختلاف في الذوق إما عن عدم اكتمال الخيال عند احد الأفراد، أوعن اختلاف الأفكار التي يسبغها قراء مختلفون على الكلمات نفسها ، ويرى كذلك أن التقدير الشعري ، أو التذوق له الأهمية الأولى في الأحكام النقدية الجمالية ، وذلك للدور المهم التي تؤديه المشاعر في إستجابتنا للصور الشعرية.
(بريت،1976،ص24 ـ25)
ومما لاشك فيه أن لكل عصر ذوقه الخاص به ، واننا حين نحلل نصا أدبيا ، ينبغي لنا أن ننظر على وفق ذوق ذلك العصر، وطريقة التعبير فيه ، لذا فقد أخفق جماعة من النقاد في تذوق شعر الصحراء ، وذلك لإعتمادهم في تذوقه على مقاييس أدبية غريبة عن بيئة ذلك الشعر، فقد روى صاحب الأغاني في حديث ، أن أحدهم إعترض على بيت ذي الرّمّة
أيا ظبيةَ الوعساءِ بين جلاجل وبين النقا أأنتِ أم امّ سالمِ؟
وذلك لأنه أخفق في تذوق تشبيه المرأة ” ام سالم ” بظبية الرمل ، فلم يفهم من التشبيه الامقابلة أعضاء بأعضاء ، ولم يفطن الى الصورة الجميلة التي توحيها الينا الظبية من رشاقة الحيوان وفتوته ، والى الإنوثة الطاغية في الظبية وحسن عيونها ، وكل ذلك في صورة من الرمال في الضحى .(الأصفهاني،ج19،ص6761).

باحث نفسي من جمهورية العراق ، ينصب جل اهتمامه في مجال علم النفس الايجابي و القياس النفسي .